فوزي آل سيف

48

فقه العلاقات الاجتماعية

العلاقة بين العامل ورب العمل (وَ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَ وَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينْ‏ِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتىَ‏ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَ أَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) فَسَقَى‏ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلىَّ إلى الظِّلّ‏ِ فَقَالَ رَبّ‏ِ إِنىّ‏ِ لِمَا أَنزَلْتَ إلى مِنْ خَيرٍْ فَقِيرٌ(24) فجََاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشي عَلىَ اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبيِ يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَ قَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تخََفْ نجََوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيرَْ مَنِ اسْتَْجَرْتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ(26) قَالَ إِنىّ‏ِ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتي‏َّ هَاتَينْ‏ِ عَلىَ أَن تَأْجُرَني ثَمَانيَِ‏َ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُني إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(27) قَالَ ذَالِكَ بَيْنىِ وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا الاَجَلَينْ‏ِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَليَ‏َّ وَ اللَّهُ عَلىَ‏ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(28) تحكي هذه الآيات إحدى مراحل حياة نبي الله موسى بن عمران عليه السلام ، وفيها مواطن للتأمل والتدبر تنفعنا في الحديث عن موضوع العمل والعامل ورب العمل وقوانين ذلك . فإن نبي الله موسى لما ائتمر به الملأ ليقتلوه ، وخرج من مصر ، توجه تلقاء مدين[154] ووصلها بعد عدة أيام من المشي والجوع والخوف ، ليرى أمامه منظر رعاة أشداء الجسم ، يستقون لأغنامهم من بئر عميق بالدلو ، بينما كانت شابتان قد جلستا ناحية تنتظران تفرق الرعاة الشباب .. وأثار هذا المنظر نخوة موسى وشهامته ، فجاء إلى المرأتين سائلا إياهما : ما الذي جاء بهما في وسط هذه المجموعة من الرعاة الشباب ؟ ولماذا لا يستقيان لأغنامهما ؟ فأخبرتاه بأن والدهما شيخ كبير غير قادر على العمل ، ولا أخ لهما ، وهذا سبب مجيئهما لهذا العمل ، وأنهما لا تستطيعان مزاحمة الرجال فتنتظران حتى ينتهي أولئك من سقيهم ثم يسقين بفضل ما بقي ! موسى الذي هز هذا المشهد شهامته جاء إلى الرعاة معاتبا ، فردوا مستهزئين أن يتقدم ليسقي لهما ( مع ملاحظة أن الدلو الذي ينزل إلى البئر بحاجة إلى عدة رجال لكي يرفعوه !) .. وتقدم موسى الجائع المتعب لكنه الشهم إلى البئر وحمل الدلو الذي كان يحتاج إلى عدة رجال ، بمفرده ، ( فسقى لهما ) ، ثم ذهب إلى ظل شجرة ليستريح بعد هذا المشوار المضني ! ذهبت البنتان إلى أبيهما بسرعة مع أغنامهما ، ليسألهما الوالد عن سبب عودتهما السريعة على خلاف عادة كل يوم ، فأخبرتاه عن قصة الشاب الذي أعانهما ! وعلم النبي شعيب أن هذا الشاب لا يمكن أن يكون شخصا عاديا ، ولا بد من جزائه خيراً على ما صنع ، فطلب من إحداهما أن تذهب إليه وتخبره برغبة أبيها في ذلك ، فجاءته ( تَمْشي عَلىَ اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبىِ يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) وكان لقاء المعلم بالتلميذ موسى حيث طمأنه على مصيره ، وأنه قد نجا من القوم الظالمين .. اقترحت البنت التي أرسلها أبوها لموسى ، أن يتعاقد الوالد مع موسى على العمل عنده لأنه يجمع القوة والأمانة ، وهما أهم صفتين يحتاجهما العامل . ومع معرفة الأب بما يفترض فيه من

--> 154 ) يعتقد بعض المفسرين أنها مدينة معان الأردنية اليوم .